الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
255
نفحات القرآن
توضيحات 1 - التوحيد يعني حذف الوسائط ! من خلال مطالعة دقيقة للآيات القرآنية نستنتج أنّ القرآن يصرّ مؤكّداً بأن لا يضيع الناس بين الوسائط وعليهم أن يتوجّهوا إلى ذات اللَّه المقدّسة مباشرةً ، ويتحدّثوا معه ولتتعلّق قلوبهم به وحده ولا يعبدوا غيره ، والتعبير ب ( ربّ العالمين ) في سورة الحمد والسور القرآنية الأخرى إشارة إلى هذه الحقيقة ، وتكرار ذكر الركوع والسجود ( سبحان ربّي العظيم ) و ( سبحان ربّي الأعلى ) كلّه لبيان هذه الحقيقة وهي : ليس خلقنا بيده فحسب بل وبقاؤنا وتربيتنا وتكاملنا وتدبير أمورنا . وقد أوضح القرآن الكريم ذلك بدقّة وهو أنّ ، ( الخالق ) و ( الربّ ) لا يمكن أن ينفصلا ، ولو دقّقنا جيّداً في الإنسان لوجدنا له خلقاً جديداً في كلّ لحظة ، وكلّ ذلك منه سبحانه . إنَّ موجودات العالم بأسرها محتاجة وفقيرة وهو الغني المطلق من كلّ جهة . وتاريخ الديانات يشير إلى أنّ البشرية بسبب التيه في الوسائط والخرافات التي ابتُليت بها ، وكم من الموجودات المنحطّة التي جعلتها آلهة تتحكم بمصائرها ، وهذا التعدّد في الأرباب والآلهة قد جلب للبشرية كلّ هذا التفرّق والاختلافات والشقاء . ولكن عندما نهجر هذه الوسائط ونعتبر أنّ اللَّه هو الربّ المطلق كما تقول الدلائل والبراهين العقلية ، نعرف أنّ كلّ شيء محتاج إليه فإنّا سنصل إلى مبدأ النور والعظمة والوحدة والوحدانية . ولذا فإنّ صفة ( ربّ ) تكرّرت أكثر من 900 مرّة في الآيات القرآنية ولم تتأكّد صفة أخرى من الصفات الإلهيّة إلى هذه الدرجة . وفي الحقيقة يجب معرفة ومطالعة الإخلاص في توحيد الإسلام قبل كلّ شيء في هذا التوحيد الربوبي . 2 - تاريخ الديانات وخرافة الوسائط كلّما تعمّقنا في دراسة تاريخ المذاهب والديانات تتجلّى أمامنا هذه الحقيقة أكثر فأكثر